الصالحي الشامي
284
سبل الهدى والرشاد
الصفة بحرف الجمع وكأن معناه : إن الجامعين والجامعات لهذه الطاعات أعد الله لهم . وأيضا أن أصل التمثيل مركب من أمرين : الهدى والعلم لتغايرهما في الاعتدال ، ويعضده مراعاة معنى التقابل بين الكلامين من إثبات الكلأ وإمساك الماء في إحداهما ونفيهما في الآخر على سبيل الحصر بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ( إنما هي قيعان ) ثم تعقيبهما بالتفصيل في قوله : ( فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه ) إلى آخر الحديث لأنه ذكر المثل فيه مرتين . ويؤيده ما ذكر النووي أن رعوا بالراء من الرعي . هكذا هو في جميع نسخ مسلم . ووفع في البخاري : ( وزرعوا ) وكلاهما صحيح . وإنما قلنا هذه الرواية تؤيد ما ذكرنا لأن في الكلام حينئذ لفا ونشرا فإن ( رعوا ) مناسب لأنبتت الكلأ و ( فشربوا وسقوا ) للأجادب وأمسكت الماء . فيكون الضمير في نفع الله بها ل ( أرض ) ( 1 ) ومعنى كليهما صحيح ، لأن زرعوا متعلق بالأول لا بالأجادب فإنه لا تكفي الشرب والسقي فضلا عن الزرع . فعلى هذا يكون قد ذكر في الحديث الطرفان : الغالي في الاهتداء والغالي في الضلال ، فعبر عمن قبل هدى الله والعلم بقوله : ( فقه في الدين ) إلى آخره . وكنى عمن أبى قبولهما بقوله ( لم يرفع بذلك رأسا ) وبقوله ولم يقبل هدى الله لأن الثاني عطف تفسيري للأول ، وترك الوسط وهو قسمان : أحدهما : الذي ينتفع بالعلم في نفسه فحسب ، والثاني : الذي لم ينتفع هو بنفسه ولكن نفع الغير . وفي الحديث أشعار بأن الاستعدادات ليست بمكتسبة ، بل هي مواهب ربانية يختص بها من يشاء ، وكمالها أن يفيض الله تعالى عليها من المشكاة النبوية ، فإذا وجد من يشتغل بغير الكتاب والسنة وما والاهما علم أنه تعالى لم يرد به خيرا ، فلا يعبأ باستعداده الظاهر ، وأن الفقيه هو الذي علم وعلم وعمل وفاقد أحدها فاقد هذا الاسم ، وأن العالم العامل ينبغي أن يفيد الناس بعلمه كما يفيدهم بعمله ، ولو أفاد بالعمل فحسب لم يحظ منه بطائل كأرض معشبة لا ماء فيها فلا يمرى مرعاها ولو اقتصر على القول لأشبه السقي مجردا عن الرعي ، فيشبه أخذه المستسقي ، ولو منعهما معا كان كأرض ذات ماء وعشب حماها بعض الظلمة عن مستحقيها كما قال القائل : ومن منح الجهال علما أضاعه * ومن منع المستوجبين فقد ظلم الطائفة ، هنا : القطعة من الأرض . قبلت : بفتح القاف وكسر الموحدة من القبول .
--> ( 1 ) في ألأرضا .